مصطفى لبيب عبد الغني

86

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

التجربة عند الرازي تقوم إثباتا لفرض أو ما يسميه هو « حدسا » ويعنى به الحل المقترح لتفسير الحالة موضع الإشكال ، وتكون نتيجة التجربة إما تأكيد الفرض وتعضيده أو نفيه والتخلي عنه والبحث عن فرض أخر أكثر ملاءمة . ومن أوضح ما يصور ذلك عند الرازي ما يثبته من ملاحظات اكلينيكية عديدة مضبوطة « 1 » ، وهي تكشف عن وعيه بتعقد ظواهر الواقع وتشابك عناصرها ، ومن هنا كان حرصه على الكشف عن كثرة من الأسباب التي يرجّح إحداثها لما يحدث وهو أبعد ما يكون عن تفسير الظاهرة « بعامل » واحد ، وينصح الطبيب أن يتحرى على الدوام أسباب العلل . ونحسن تقدير منهج الرازي المتميز متى وضعناه في إطار عصره ، ونظرنا إليه من منظور التطور العلمي في زمانه ، وقد كان الجدل لا يزال محتدما حول صنعة الطب وماهيتها وكيفية عمل الطبيب « 2 » ؛ على أنه متى تحدّد في وضوح وجلاء سبب الظاهرة - موضع البحث - فلا ينبغي للطبيب « تغيير التدبير إن لم يره ينجح وذلك أنه ربما كانت العلة قوية فلا يؤثر فيه أثر إلا بعد مدة ، لأنه يحتاج إلى علاج قوى ليبيّن الأثر » « 3 » . وفي هذه دعوة صريحة إلى الصبر والتأنى وعدم التسرع في تقرير الشئ أو نفيه تماما . وكان يوجه نظرا الطبيب إلى أنه

--> - العلاج فهو لم يقّدر أنّ الدواء قديم عمله منذ سنة وأن أثره يقل على الزمن ولم يقدر أن الدواء قديم عمله منذ سنة وأن أثره يقل على الزمن ولم يقّدر أن الدواء الذي ينجح في الأجسام البضة قد لا ينجح في ذوى الأجسام اليابسة مثل هذا العليل . وأصلح الرازي للطبيب الناشئ أخطاءه في هدوء وعطف ، وأمر بتوسيع فم الجرح وبإعداد الدواء مضافا إليه من الفربيون ؟ ؟ ؟ ما يزيد من تأثيره . وهذه علاقة لا تزال قائمة بين كبار الأطباء والناشئين . وظاهر أن الرازي كان يعطف على أخطاء هذا الطبيب ويرفق به فكانت العلاقة بينهما على أحسن ما يكون . أما أسلوبه اللاذع عن جهّال الأطباء فكن مقصورا على زملائه ، شأنه في ذلك شأن جالينوس . » ( طب الرازي ، ص 40 ، هامش ) . ( 1 ) راجع على سبيل المثال : « الحاوي » ج 5 في مواضع متفرقة وبخاصة ص 26 - 27 ، ص 124 - 125 . ( 2 ) راجع المناظرة التي أوردها المسعودي في « مروج الذهب » عن الطريق التي يدرك بها الطب هل هو التجربة أم القياس ؟ . ( الجزء الثاني ص 384 - 386 من طبعة القاهرة 1387 ه / 1967 م ) . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ج 1 ص 229 .